محمد كرد علي
68
خطط الشام
بناؤه أو مدرسة أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين لها ، وهذه أيضا من المفاخر المخلدة . ومن النساء الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة وتنفق فيها الأموال الواسعة وتعين لها من مالها الأوقاف ، ومن الأمراء من يفعل مثل ذلك اه . ومعظم المدن مدارس مدينة دمشق ، كثرت في الدولتين النورية والصلاحية وقام بإنشاء بعضها العتقاء والخصيان والإماء والبنات ، ومنها ما بني بالمال الحلال من أموال الغنائم ، ومنها ما بناه بعض أهل الخير من بنات الملوك والملكات ، ومن القواد والسادة ، ومنها ما أنشأه أهل اليسار من التجار وغيرهم . وأكثر من بنوا المدارس في دمشق هم غرباء عنها ، ولولا بضع مدارس أنشئت في القرن الثاني عشر في حلب ودمشق لقلنا : إن تاريخ المدارس فيهما ختم بانقراض ملوك الطوائف ودخول الدولة العثمانية الديار الشامية . ومن رأى كثرة المدارس في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع وقلة ما شيد منها في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر ، يستنتج معنا أن الأمة إذ ذاك كانت على جانب من التدين والغنى وحب الخير أكثر من القرون التالية ، وأن بعض من جمعوا ثروات كانوا يحبون أن يتصدقوا من مالهم بشيء يعتقدون أنه قربى لهم يوم الجزاء ، وقد فسد الناس في القرون الأخيرة وتوفروا على التهام تلك المدارس وأوقافها . وهي على الأكثر تقسم إلى أقسام ، فمنها مدارس للشافعية يقرأ فيها فقه الإمام أحمد بن إدريس الشافعي ، وأخرى للحنفية يتلى فيها فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة ، وغيرها للحنابلة لفقه الإمام أحمد بن حنبل ، وبعضها للمالكية أي فقه الإمام مالك بن أنس ، ومنها مدارس أو دور للقرآن يتلقون فيها القراءات على الأصول وما يتعلق بذلك ، ومنها دور للحديث يأخذون فيها فنون الحديث ويروونه . وكان في دمشق خاصة مدارس لتعليم الطب والصيدلة والكحالة ومدرسة للهندسة يتخرج فيها مهندسون وبناؤون ، ولم يتصل بنا أنه أنشئ في عواصم ذاك العهد : قصبة الوسط دمشق ، وقصبة الشمال حلب ، وقصبة الجنوب القدس ، مدارس لتعليم الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية ، ولعل بعض العلوم وخصوصا الفلك والجغرافيا والتاريخ كانت تدرس في تلك المدارس كما كانت تدرس في الجوامع في بعض الأدوار ،